أحمد زكي صفوت

181

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

37 - خطبة أخرى له بعد البيعة وقال الطبري : نادى منادى أبى بكر من بعد الغد من متوفّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ليتمّ بعث أسامة : ألا لا يبقينّ بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره ، وقام في الناس ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « يا أيها الناس : إنما أنا مثلكم ، وإني لا أدرى لعلكم ستكلّفونى ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطيق . إن اللّه اصطفى محمدا على العالمين ، وعصمه من الآفات ، وإنما أنا متّبع ، ولست بمبتدع ، فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوّموني : وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبض ، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة « 1 » ضربة سوط فما دونها ، ألا وإن لي شيطانا « 2 » يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني ، لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم « 3 » ، ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه ، فإن استطعتم ألّا يمضى هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللّه ، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ، فإن قوما نسوا آجالهم ، وجعلوا أعمالهم لغيرهم ، فإياكم أن تكونوا أمثالهم ، الجدّ الجدّ ، والوحا « 4 » الوحا ، والنّجاء « 5 » ، فإن وراءكم طالبا حثيثا « 6 » ، أجلا مرّه سريع ، احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ، ولا تغبطوا « 7 » الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات » ( تاريخ الطبري 3 : 211 ، وشرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 167 )

--> ( 1 ) الظلامة . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد : وأراد بالشيطان الغضب ، ولم يرد أن له شيطانا من مردة الجن يعتريه إذا غضب ، ولو كان له شيطان من الجن يعتاده وينوبه لكان في عداد المصروعين من المجانين ؛ وما ادعى أحد على أبى بكر هذا لا من أوليائه ولا من أعدائه . ( 3 ) أبشار جمع بشر ، وهو جمع بشرة : وهي ظاهر الجلد . ( 4 ) العجلة والإسراع ، وحى وتوحى : أسرع ، ووحاه ، عجله . ( 5 ) الإسراع أيضا . ( 6 ) سريعا . ( 7 ) غبطه : تمنى مثل حاله من غير أن يريد زوال نعمته عنه .